الخميس، 16 ديسمبر 2010

أدبيات الإنفصـال (حلقة 14)

أدبيات الإنفصال ... أوراق مبعثرة

حلقة (14)


الجزء الأول

 
تاريخ العلاقة بين شمال وجنوب السودان 


في الوقت الذي تتجذر وتمتد فيه العلاقات التاريخية والنضال السياسي والكفاح المشترك والتمازج العرقي والثقافي والأطر والتنظيمات الإدارية بين القبائل داخل شمال السودان إلى عدة آلاف عام قبل الميلاد والإسلام . ثم ومن بعد الإسلام وحتى تاريخه . فإن العلاقة التاريخية ما بين الشمال والجنوب كإقليمين يضمهما رسميا وطن واحد لا تتعدى الفترة ما بين ديسمبر 1898م و يناير 2011 م ... بل هي علاقة تبدو غامضة لدى الكثير من أهل الشمال والجنوب على حد سواء ... ولعل أقصى ما يتحدث عنه العامة والخاصة إنما يدور حول دور الإستعمار البريطاني في غلق الحدود بين الشمال والجنوب ، وعدم السماح للشماليين بوجه خاص بدخول أرض الجنوب طوال فترة الحكم الثنائي للسودان التي إمتدت ما بين عامي 1898م إلى يناير 1956م.
وبالكاد نستطيع القول أن العلاقة الرسمية المعترف بها بين الشمال والجنوب داخل إطار الوطن الواحد لا تزيد عن 112 سنة منها (57) سنة أبقى فيها الإستعمار البريطاني الجنوب منطقة مغلقة معزولة عن الشمال ... ثم منها (55) سنة قضاها الجنوب في تمرد عسكري وحرب عصابات في مواجهة الجيش السوداني النظامي.


بحــر الغـــزال

وفي حين أفلحت الثورة المهدية في ضم إقليمي بحر الغزال والإستوائية منذ عام 1884م وحتى عام 1888م وبسط الخليفة عبد الله التعايشي سلطته في الجنوب حتى الرجاف على يد قادته العسكريين "كرم الله" و "عمر صالح" . إلا أن قصر الفترة التي تغلغل فيها الشمالي في ظل الثورة المهدية داخل الجنوب لأسباب دعوية إسلامية نضالية وطنية تحررية إنسانية سامية (بعيدا عن ممارسة الرق وقناعات الجلابة التجارية) ...... كان لقصر هذه الفترة الأثر الواضح في فشل تشكيل اللبنة الطبيعية وخلق اللُّحْمَة الوطنية بين الشعبين الجنوبي والشمالي وضاعت الفرصة الأولى والأخيرة إلى الأبد بإعادة الجنرال كتشنر فتح السودان عام 1898م.

ومن جملة ما تقدم فإن المرء العاقل يحتار فعلا من بكائيات وحسرات وعبرات القلة القليلة من دعاة الوحدة بين الشمال والجنوب ..... ويندفع هذا المرء بالفعل للتساؤل عن أي رابــط يتحدث هؤلاء؟

إن المؤسف له أنه لا توجد روابط إجتماعية فكرية ثقافية جمعية أو حتى ثنائية بين الشمالي والجنوبي رغم مشاركتهما الحياة داخل وطن واحد .. بل ولعل الأطرف أنه لا يمكن مشاهدة شمالي على علاقة نسب أو صداقة شخصية مع جنوبي ... حتى الزمالة في مجال العمل ومقاعد الدراسة مفقودة بين الطرفين الذكر منهم والأنثى على حد سواء...... أو بما معناه أن كلاهما لا يعترف بإنسانية الآخر منذ الأزل وحتى هذه اللحظة ...... فعن أية وحدة يتحدث البعض الرومانسي الحالم؟


شاب جنوبي وفتاة شمالية ..... عن أية تمازج عرقي وقاعدة ثقافية وقناعات إجتماعية مشتركة يتحدث البكاءون على الوحدة المستحيلة بين الشمال والجنوب في السودان؟
 


من جهة أخرى إن الذي يغيب عن الذهن والذاكرة الشمالية وربما الجنوبية في آن واحد هو التساؤل عن طبيعة العلاقة بين الشمال والجنوب خلال الفترة ما قبل عهد الحكم الثنائي المشار إليها أعلاه .......
كيف كانت العلاقة بين الشمال والجنوب خلال التاريخ المنظور على أقل تقدير؟
في واقع الأمر لا يرصد التاريخ علاقة إنسانية يمكن الإعتداد بها بين شعبي الشمال والجنوب ... بل على العكس من ذلك فقد نشأت ولا تزال هذه العلاقة تجارية بحتة لا تحكمها العواطف والحب والتقدير المتبادل بين الطرفين. ثم تحول الأمر قبل نيل السودان إستقلاله بسنة واحدة إلى تمرد جنوبي عسكري في مواجهة الحكومة المركزية بالخرطوم.
الطريف أن بعض المتحزلقين من أبناء الجنوب يشطح بهم الخيال الجارف أو لربما يحاولون إيجاد المبرر الأخلاقي لإقامتهم في الخرطوم هربا من أحراش وأدغال جنوبهم المتغلغل في التخلف وممارسات العصر الحجري ؛ فيزعمون لأنفسهم سلطنة الفونج ويدعون أن حدود الجنوب الشمالية الأصلية إنما كانت مدينة الخرطوم وأن إسمها كان "كادا دوم" متجاهلين أن الخرطوم كمدينة لم تنشأ إلا عام 1826م تقريبا .... أو بما يعني أنها مدينة حديثة مقارنة بغيرها من مدن وعواصم القارة الأفريقية ..... ثم أن مسألة أن الإسم كان كذا ثم تم تعديله ليصبح كذا ..... هذا المنحى السطحي في الإثبات باتت أكثر من مضحكة ... وعلى رأي العقيد معمر القذافي فإننا كعرب وعلى هذا النسق يمكننا إدعاء أن "شكسبير" كان عربيا وأن إسمه الحقيقي كان "شيخ زبير" .. ثم تم تحريفه وفق النطق الإنجليزي فأصبح شكسبير..... وعلى ضوء ذلك يمكننا إذن كشماليين الزعم بأن ملكال في جنوب السودان هي مدينة عربية وأن أسمها الأصلي كان " مَـلِـكْ أكـّـالْ " نسبة إلى وجود ملك يحكم هذه المنطقة وما جاورها أشتهر بحب أكل الطعام أو أكل أموال شعبه بحسب الأحوال .... ولكنها ومع مرور السنوات وهحرة الشماليين منها نحو الشمال وغلبة الرطانة الجنوبية في نطق المسميات العربية فقد أصبح إسمها "ملكال" ..... وعلى هذا المذهب الأسمائي الكاريكاتوري المغرق في الإستهزاء والضحك يمكننا نسبة واو و جوبا ونمولي إلى العرب ونجادل في بحور الجبل والغزال والعرب بضفتيه إلخ..... ولكننا برغم ذلك نتمسك بأن مسمى أبيي إنما هو مسمى شمالي خالص بالفعل ، لأن المسمى الحقيقي إنما هو "أب ييي" ... وكلمة "أب" هذه لا تكون إلا في لغة أهل الشمال مثل أب قرجة و أب درق و أب عاج ...... إلخ.

على أية حال نعود لموضوعنا الأساسي فنقول أن العلاقة بين الشمال والجنوب قد شهدت وفق ما تم رصده من تاريخ توترا عرقيا لا يمكن إغفاله أو إنكاره بسبب أطماع التجار الذين وفدوا للجنوب من إتجاه الشمال . وقد تعددت جنسيات هؤلاء التجار ما بين البريطاني واليوناني والشركسي والتركي والمصري ثم تشرب المهنة منهم لاحقا تجار شماليين لعل أبرزهم هو "الزبير باشا رحمة" الذي فتح بحر الغزال وأقام مملكة حقيقية لنفسه في هذا الجزء الواسع من الجنوب.


تجــارة الرقيــق

تركزت العلاقة في وادي النيل بين الشمال والجنوب منذ عهد الفراعنة في مجال تجارة الرقيق (العبيد) وسن الفيل وريش النعام الذين يتم مقايضتهم عادة ببضائع يجلبها هؤلاء التجار من الشمال أهمها السكسك والمشغولات الزجاجية الملونة والبراقة التي يعشق أهل الجنوب التزين بها بالإضافة إلى المواد الغذائية الصناعية مثل السكر والدقيق والذرة وفوانيس الإنارة الزيتية البدائية.


الألباني محمد علي أغــا باشا مؤسس الأسرة الخديوية الحاكمة في مصر ما قبل عبد الناصر

بعد الغزو المصري لشمال السودان الحالي وإحتلاله عام 1821م على يد إسماعيل محمد علي أغا باشا إلتفت تجار الرقيق إلى وجود ثروات بشرية ضخمة في تلك المناطق التي يضمها إقليم جنوب السودان الحالي ... بل ولا ننسى أن من بين أهم الأسباب التي دفعت بمحمد علي أغا باشا والي مصر حينذاك لغزو السودان إنما كان الحصول على رجال أشداء لتجنيدهم في جيشه تمهيدا لتحقيق طموحاته في إحتلال الشام وشبه الجزيرة العربية .....
ومن ثم فقد شجع العهد الخديوي المصري ممارسة نشاط تجارة الرقيق وفتح الباب واسعا لكافة التجار المغامرين. فكان أول من دخل بحر الغزال من الشمال تاجر يقال له "الحبشي" دخلها سنة 1854م في قارب صغير ثم اقتفى أثره العديد من التجار أشهرهم المصريين : "السيد أحمد العقاد" و "علي أبو عموري" و "محجوب البصيلي" و "غطاس القبطي" ....... ثم من الأتراك كان أشهرهم التاجر "كوشوك"...... وأما من أبناء شمال السودان فقد كان أشهرهم الدنقلاوي "إدريس أبتر" ثم الزبير باشا رحمة الذي طبقت شهرته الآفاق.
وفي الوقت الذي تغفل فيه (عن قصد) مراجع تاريخ تجارة الرقيق الأفريقي عن ذكر أسماء كبار التجار الأوربيون الذين أشرفوا أو مارسوا أو قاموا بتمويل نشاط تجارة الرق إلا أن اليد الأوروبية البيضاء كانت هي الأكثر فعالية لما تمتلكه من إمكانات مالية وتكنولوجيا الأسلحة النارية التي أتاحتها لوكلائها من تجار الرقيق المحليين.
ومن ضمن ما يقال ؛ فإن هؤلاء التجار الكبار وغيرهم من المئات الصغار الآخرين بدأوا تجارتهم في سن الفيل وريش النعام والحيوانات البرية ثم إلتفتوا إلى تجارة الرقيق فوجدوها رائجة فاحشة الأرباح . فانقلبوا إلى ممارستها يشجعهم على ذلك الملوك والسلاطين الجنوبيين أنفسهم الذين ما فتئوا يخوضون حروبا أهلية ويشنون حملات إنتقامية في مواجهة بعضهم البعض فيأسرون فتيان وفتيات وأطفال القبائل الجنوبية الأخرى ويبيعونهم إلى هؤلاء التجار ليرحلوا بهم إلى الشمال فيبيعونهم من سنار والأبيض جنوبا ونجد والحجاز شرقا حتى أوروبا شمالا مرورا بمصر والشام.
حتى هذه اللحظة لم تكن هناك علاقات أو أطـر إدارية رسمية تجمع بين الشمال السوداني والجنوب داخل إطار وطن واحد .. بل ولم يكن أحد في الشمال يتعامل مع الجنوب ومواطن القبائل الجنوبية على إعتبار أنه يشاركه الحياة في بلد واحد وداخل حدود سياسية مشتركة.
من ناحيتها لم تشأ الخديوية المصرية وقف تجارة الرقيق ، وإنما إكتفى كل من محمد علي أغا باشا عند زيارته للسودان عام 1839م وكذلك محمد سعيد باشا عند زيارته للسودان عام 1858م إكتفيا بمناشدة التجار وقف الإتجار في الرقيق ... وعليه فقد ظلت هذه التجارة رائجة إلى حلول عام 1865م وهو العام الذي شهد إحتلال الخديوية المصرية لمنطقة فاشودة رسميا وضمها لأملاكها متجاهلة إعتبارها جزءا من أملاكها في السودان ... أو بما معناه أنها وكأنها قد إحتلت بلدا ثانيا جنوب الأراضي الشمالية للسودان الحالي.
أدى إحتلال الخديوية المصرية لفاشودة من أرض الشلك إلى إغلاق المنطقة فبالة النيل الأبيض في وجه حرية نقل الرقيق من أرض الجنوب إلى أسواق الشمال وتشدد السلطات في جباية الضرائب من التجار . ثم تزامن ذلك مع تنامي إحتجاجات المجتمع المدني في بريطانيا ضد تجارة الرقيق وكذلك في العديد من الدول الإستعمارية الرئيسية وهي فرنسا وبلجيكا والبرتغال . كل ذلك أدى إلى مغادرة تجار الرقيق الأوربيون منطقة بحر الغزال والإستوائية بعد بيعهم لزرائبهم الشوكية هناك إلى التجار المصريين وعلى رأسهم السيد أحمد العقاد الذي بات المحتكر الرئيسي لهذه التجارة الرائجة على الرغم من مساعي الخديوية لمحاربتها بإصدار العديد من الفرمانات الرسمية ... ولكنها كانت فرمانات لا تكاد تبرح بلاط قصر عابدين في القاهرة وسرعان ما تصبح حبرا على ورق ، ويجري تجاهلها في حكمدارية الخرطوم لأسباب تتعلق بالخوف من قدرة تجار الرقيق على شن حروب عصابات ضد الحكومة تارة ، ولأسباب تتعلق تارة أخرى بلجوء هؤلاء التجار إلى إغراء القائمين على نقاط التفتيش بالرشاوي والهدايا الثمينة.
في الجانب الأوروبي نشأت جمعيات مجتمع مدني مناهضة للرق فكانت الدنمارك أول دولة أوروبية تلغي تجارة الرقيق عام 1792م وفي مؤتمر فينا عام 1814م عقدت الدول الأوروبية معاهدة منع تجارة الرقيق وحررت كل من بريطانيا وفرنسا وهولندا عبيدها ..... وفي عام 1865م نص الدستور الأمريكي على إلغاء العبودية...

 


الخديوي الألباني إسماعيل أغا باشا حاكم مصر خلال العهد الخديوي

كان هذا على ما يبدو كافيا لتوجيه ولفت أنظار الخديوية المصرية في القاهرة إلى ضرورة العمل الجاد لوضع حد لتجارة الرقيق في السودان . فكان أن أصدر الخديوي إسماعيل باشا أوامره بإحتلال الأراضي الإستوائية (جنوب السودان الحالي) وضمهما إلى الأملاك المصرية ..... وعليه فد أوكلت مهمة تنفيذ هذا القرار إلى البريطاني السير صموئيل بيكر الذي سبق له أن قام بإكتشاف بحيرة البرت .....

 

(يتبع حلقة أخرى إنشاء الله)



أدبيات الإنفصال (حلقة 13)

أدبيات الإنفصــال
حلقة (13)
جميعنا فرحين بقرب موعد انفصال الجنوب



ساعة رقمية علقها الجنوبيون في وسط الميدان الرئيسي بعاصمتهم "جوبا" تحسب الوقت المتبقي لإعلان إنفصال الجنوب وإنشائه لدولته الخاصة به

من أطرف أشكال العدائيات الإجتماعية اليومية التي يمارسها الطرفان الشمالي والجنوبي تجاه بعضهما البعض في كل متر مربع من أنحاء السودان أن الشمالي لا يألو جهدا في تطنيش الجنوبي واللامبالاة به . في حين لا يدخر الجنوبي وسعا في مكايدة الشمالي وإغاظته ومعارضته وإلتعبير عن حقده تجاهه وعدم رضاه عنه في كل مناسبة أو بدون مناسبة....... إذا قال الشمالي "بسم الله" حرص الجنوبي على ترديد "بسم الشيطان" .... وإذا صلى الشمالي تجاه الكعبة حرص الجنوبي عن إقتناع أو بدونه للصلاة تجاه الفاتيكان. وإذا قال الشمالي "نعم" سارع الجنوبي بقولة "لا" حتى قبل أن يفهم لماذا قال الشمالي نعم ... ثم إذا عاد الشمالي فقال "نعم" إنقلب الجنوبي على عقبيه وقال "لا" لوجه الله ..... وبإختصار فإن الشمالي إذا إختار إتجاها فإن الجنوبي يختار الإتجاه المعاكس لمجرد إشباع الغرور والإحساس بأنه "إبن آدم" في مواجهة الشمالي والعربي بوجه خاص ..... بل وأكاد أجزم ووفقا لهذا المنطلق أنه إذا خير الشمالي فإختار جنة الفردوس لسارع الجنوبي إلى ولوج سـقـــر.   
وعلى الرغم من أن الشمالي والجنوبي يقاسمان بعضهما الحياة في وطن واحد إلا أنه ومع مضي مئات السنوات لم يكن هناك أي تمازج عرقي (زواج شرعي) يعتد به بين الطرفين . وكل ما تم من زيجات محدودة العدد ومؤقتة المدة إنما كانت كبدل فاقد بين رجال شماليين وفتيات جنوبيات لأسباب تتعلق بإقامة الشمالي في أراضي جنوب السودان لغرض ممارسة التجارة أو تردده جيئة وذهابا على مدن وقرى الجنوب خلال ممارسته لتجارة الشنطة ، أو أن يكون قد عمل جنديا محاربا في صفوف الجيش السوداني خلال الحرب الأهلية التي دارت رحاها داخل أرض الجنوب منذ عام 1955م ... والملاحظ أن هذه الزيجات عادة ما يكون مصيرها الفشل الذريع ويتم الطلاق حالما تنتهي مسببات تواجد الشمالي في أرض الجنوب....... وبوجه عام فإن المؤكد أن الجنوبي لا يثق بالشمالي وأن معــدة الشمالي لا تطيق ولن تستطيع هضم الجنوبي ولو بعد 1000 عام. 


الآن وفي عاصمة دولة جنوب السودان (حيث يبدو أنهم يرغبون في الاحتفاظ بإسم السودان ضمن مسمى دولتهم الجديدة) علق الجنوبيون ساعة رقمية متواضعة في الميدان الترابي الرئيسي لعاصمة بلادهم "جوبـا" تعبيرا عن فرحتهم بقرب موعد إجراء إستفتاء تقرير المصير. وحرصوا على تسريب صورها إلى الصحف والمجلات في الخرطوم إمعانا منهم في إغاظة الشماليين حسب إعتقادهم في كافة تصرفاتهم أمامه ، ويبدو أنهم لا يدرون أن الشمالي أكثر فرحا منهم ويكاد يطير بهذا الإنفصال المرتقب. ومثلما يعد ويحسب الجنوبيون الساعات والدقائق والثواني الباقية على موعد الإستفتاء والإنفصال لا محالة ؛ فإن الشماليين يحلمون بقدوم يوم الإنفصال هذا (9 يناير 2010م) ويترقبوه على أحر من الجمر حتى يتفرغوا لبناء بلادهم وفق ما يرتجون من قناعات وقيم وعادات وتقاليد خاصة بهم تختلف إختلافا جذريا عن مثيلاتها في الجنوب.
وإنه إذا كان الجنوبي يؤمن بأن الشمالي يظل عائقا وسدا منيعا أمام إحساسه بقيمته كإنسان ؛ فإن الشمالي يظل على قناعة بأن الجنوبي يعرقل إتساع خطواته وسلاسة مسيرته نحو الرقي والرفاهية...... وأنه إذا كان البعض في الشمال يرى في بترول الجنوب مسوغا للوحدة وضرورة للتمسك بها وتقديم القرابين من زهرة شباب الشمال ضحايا من أجلها . فإن على هؤلاء البعض أن يدرك أن حقول بترول الجنوب ستنفذ مخزوناتها بعد عشرين عام أو أقل من تاريخه . وهي سنوات تعد كالدقائق في حسابات الجدوى الإقتصادية لمثل هذه الثروة الناضبة بطبيعتها.
لقد بدأ السودان في تصدير البترول منذ سبتمبر عام 1999 ، فماذا كانت النتيجة ؟ نصف عائدات البترول تذهب إلى جيوب وخزائن الجنوبيين من القادة والقطط السمان في الحركة الشعبية لتحرير السودان ..... وأما النصف الآخر فلم نرى منه طحنا ولا خبزا ولا بقلاوة في الشمال . ولا تزال جيوش العاطلين من شباب الشمال تجوب شوارع الخرطوم على غير هدى .... ولا تزال طوابير المرضى تنتظر العلاج المجاني دون جدوى أمام بوابات المستشفيات الحكومية المتهالكة ... ولا تزال العملية التعليمية بلا إصلاح وقد تكدس الطلاب في داخل الفصول الطينية كالساردين في العلب المعدنية ...... وبإختصار ولأسباب تتعلق في الجملة بالمحاصصة الجهوية والقبلية والفساد بمختلف أشكاله وإنعدام الشفافية وإنعدام التخطيط والجرأة العجيبة على سرقة المال العام ؛ لم تقدم ثروة البترول الجنوبي شيئا أو ثماراً ملموسة سواء للشمال أو الجنوب وهو ما يؤدي إلى أن يصبح فيه الشمالي من كبار الزاهدين فيه ...


نقول مبروووووووك الإنفصال للجنوب وللشمال في آن واحد ..... سيشعر الجنوبي بعد الإنفصال وإنشاء دولته الخاصة به أنه لأول مرة مواطن من الدرجة الأولى وليس من الدرجة الرابعة ومنهك وملفوظ إجتماعيا داخل مساحة المليون ميل مربع مثل ما هو عليه الحال قبل الإنفصال....... وبالمقابل سيشعر الشمالي أن عبئا ثقيلا غريب الرائحة والوجه واليد واللسان كاتما للأنفاس كغازات زحل قد زال عن كاهله وابتعد عن عينيه ولسانه وأنفه ؛ ولم يعد ضمن مسئولياته أو همومه اليومية.

 
ساعة بيغ بن الأفريقية


تظهر الساعة الزمن المتبقي بالأيام والساعات والدقائق كدليل على تحرق الجنوبيين ولهفتهم للإنفصال



على العرب أن لا يوجهوا اللوم للشماليين وحدهم فالجنوبيون هم من إختاروا الإنفصال بمحض إرادتهم وفقا لإتفاق نيفاشا الذي تراضوا عليه مع حكومة الشمال . وأهل السودان جميعهم في نهاية المطاف أدرى من غيرهم في الخارج بسلبيات وإستحالة تعايش الشمالي والجنوبي معا داخل وطن واحد ... وعلى رأي المثل الشعبي .. "شيل ده عن ده يرتاح ده من ده"

الجمعة، 12 نوفمبر 2010

أدبيــات الإنفصـال (حلقة 12)

أدبيـــات الإنفصــــال .. أوراق مبعثرة

حلقــة (12)

 هل كان جون قرنق وحدوياً أم إنفصالياً؟

 تناولنا في الحلقة الماضية (رقم 11) وبوجه عام مسألة تقرير المصير وفق الحقائق التي وثقها مؤلف (جنوب السودان من الحرب إلى السلم) – طبعة 2005م – تأليف الكاتب والصحفي المخضرم الأستاذ "عبد الله عبيد" .. وحيث إتضح أن فكرة تقرير المصير ترجع لعام 1993م حينما دعى السيناتور "هاني جونسون" أهم القيادات الجنوبية من سياسيين وعسكريين للإجتماع . وبعد المداولات وقعوا بالإجماع على وثيقة تطالب بتقرير المصير للجنوب. وأن جون قرنق هو الذي جعلها بنداً من بنود إجتماع أسمرا الذي تم بينه وبين رئيس التجمع الديمقراطي السيد محمد عثمان الميرغني والذي وجد منه ترحيبا ومؤازرة. وتبعا لذلك أصدر مؤتمر التجمع الوطني الديمقراطي بأسمرا عام 1995م ميثاق القضايا المصيرية ومن أهمها إعطاء الجنوب حق تقرير المصير . وبعد ذلك وقعت القوى السياسية الشمالية بما فيها نظام الإنقاذ الحاكم.

وصف فتحي سرور لجون قرنق بأنه إنفصالي:

في الصفحة رقم (21) من الكتاب الذي بين ايدينا يذكر الأستاذ عبد الله عبيد في مقال له بتاريخ 3/3/2002م ما يلي:
[أدلى د.أحمد فتحي سرور رئيس مجلس الشعب المصري – أثناء حضوره مؤتمر البرلمانات العربي بالخرطوم قبل عيد الأضحى بأيام – بتصريح صحفي للحقيقة والتاريخ عندما سئل عن المبادرة المشتركة. أجاب سعادته قائلا: (إن المبادرة المشتركة ما زالت قائمة ، إلا أن التجمع الوطني الديمقراطي – الذي يمثل المعارضة – هو المسئول عن تعطيل المبادرة المصرية الليبية المشتركة) وأبدى دهشته متسائلا: (كيف يضع مولانا محمد عثمان الميرغني يده فوق يد جون قرنق؟ الأول يقود حزبا وحدويا .. والثاني رجل إنفصالي).]

متمرد ومخرب كالثور في مستودع الخزف:

في ختام المقال المشار إليه يفند الكاتب عبد الله عبيد مزاعم جون قرنق الوحدوية الزائفة بقوله:
[ليسمح لي الميرغني رئيس التجمع أن أشارك د.سرور الدهشة في مسألة تحالفك – وأنت القائد الوجدوي- مع الإنفصالي المتمرد جون قرنق مهما رفع من شعارات وحدة السودان. فالمناضل الوطني الأصيل الذي يسعى لوحدة وطنه – مهما بلغ خلافه مع النظام القائم وحمل السلاح – لن يدمر ثروات ومؤسسات وطنه. فإذا كان صادقا في دعواه لإسقاط النظام ليحل محله ويحكم السودان لما دمر حفارة قناة جونقلي وأوقف العمل في أضخم مشروع تنموي كان الأمل فيه أن يغير وجه الحياة في الجنوب! ولو كان المتمرد قرنق يسعى بحق ليحل محل النظام القائم لما استهدف مواقع إنتاج البترول وخطوط نقله ، لأن الذي يطرح نفسه بديلا لنظام قائم فعلا يهمه أولا أن يجد مشاريع تنموية ذات موارد قومية يمول بها برامجه وخططه الإقتصادية حتى يشعر الشعب بالفرق بين النظامين.
ليسمح لي الميرغني أن أختلف مع (سيادته) في وصفه للمتمرد جون قرنق بأنه (رجل وحدوي) . أقول له أن قرنق متمرد ومخرب كالثور في مستودع الخزف . وما شعارات الوحدة التي يلوح بها إلا لذر الرماد في العيون
]

السيد محمد عثمان الميرغني زعيم الحزب الإتحادي الديمقراطي الأصل

لا حول له ولا قوة وعدو لكل الأنظمة:
وفي الصفحة رقم (24) من الكتاب ضمن مقال كتبه أستاذنا عبد الله عبيد بتاريخ 12/3/2002م يقول الكاتب:
[فقرنق شخصيا لا حول له ولا قوة . فهو أداة في يد الإدارة الأمريكية والصهيونية العالمية تبنى زوراً وبهتاناً قضية أهل الجنوب العادلة ووفر له الإستعمار المال والسلاح والإعلام لخدمة إستراتيجيته طمعا في بترول ومعادن وأراضي زراعية ومياه فوق الأرض وتحتها وفي السماء.
إستراتيجية الدوائر التي تدعم قرنق ترشحه حاكما للسودان وهو مقتنع بذلك. لذا سمى العصابات التي تحارب معه : (الجيش الشعبي لتحرير السودان) . مِن مَن يحرر السودان؟ لتعلموا ذلك أرجو أن أضع الحقائق المعاصرة التي عشناها كلنا وما زلنا نعيشها:
- كما نعلم جميعا أن قرنق أسس جيشه عام 83 في ظل نظام مايو. في آخر سنوات مايو حمل السلاح وتمرد ودخل الغابة ورفض المشاركة في السلطة.
- سقطت مايو وجاءت حكومة ثورة الانتفاضة الشعبية عام 85 ووجهت له الدعوة للمشاركة في السلطة فرفض واستمر في تمرده!!
- أجريت إنتخابات برلمانية تعددية ديمقراطية ، رفض المشاركة فيها واستمر في تمرده.
- بعد الإنتخابات البرلمانية وقيام حكومات قومية وإئتلافية دعي للمشاركة في السلطة فرفض وتصاعد بتمرده وأصبح يحتل مدنا وقرى ويقيم عليها حكمه الهمجي!!
- ثم وقع الإنقلاب العسكري في يونيو 89 وقام النظام الحالي وبذلت معه ومع قادة حركته كل الجهود السلمية والعسكرية لحل القضية والمشاركة في السلطة. فلم يزد قرنق إلا عنادا وإصرارا على الحرب.]

أدبيـات الإنفصــال (حلقة 11)

أدبيـــات الإنفصــــال .. أوراق مبعثرة
حلقــة (11)

مبدأ تقرير المصير .. الفكرة والتبني والتكريس ..أين ومتى؟

كان ولا يزال طابور الحركة الشعبية الخامس في الشمال بقيادة ياسر عرمان عاكفون على نحت وتشكيل التماثيل وإقامة الأضرحة لمؤسسها جون قرنق ، ويحاولون جَهْدَ أيمانهم من خلال أدبياتهم وأبواق دعايتهم تقديمه وتكريسه كزعيم وحدوي وبزعم أنه كان لا ينشد الإنفصال.... يحاولون ذلك مستغلين حالة الضبابية والقتامة التي صاحبت تفاصيل تمرده وملابساته وأسبابه الحقيقية وحالة التشرذم داخل الكتلة الشمالية ما بين حكام ساهرون على التمسك بكراسي الحكم بشتى الذرائع ، ومعارضة شغلها الشاغل هو الإطاحة بالنظام الحاكم بأي ثمن.

 

جون قرنق .. مؤسس الحركة الشعبية لتحرير السودان ... (مِنْ مَــنْ؟)

بل وقد خرجت إلينا خلال الأسابيع الماضية مقولات تدعي أن هذا المتمرد الإنفصالي الراحل إنما فـقـد حياته جراء تمسكه بخيار الوحدة. وأن الولايات المتحدة وإسرائيل هما اللاتي سعيتا إلى ذلك بتواطؤ مع الإستخبارات اليوغندية وأدى إلى حادثة تحطم طائرة الهليوكوبتر المعروفة.
لكن وبالمقابل هناك بالطبع الكثير من القرائن والأدلة والمستندات والبراهين والتسلسل التاريخي للأحداث وبما يؤكد أن "جون قرنق" لم يكن بهذه الروح الملائكية أو أنه كان نسيج وحده دونا عن غيره من زعماء وقيادات تمرد الجنوبيين المُزمن في مواجهة الشمال وجميع أنظمة وحكومات الشمال من اليمين إلى الوسط حتى اليسار منذ عام 1955م ولا يزال.
ومع إقتراب موعد إستفتاء تقرير المصير تتصاعد الأسئلة وتتنوع الآراء وتختلف وتتراوح ما بين عالم ببواطن الأمور وجاهل ؛ وأهم ما يثار في هذا السياق هو:- من صاحب فكرة وإقتراح "حق تقرير المصير" ؟
 
غلاف كتاب "جنوب السودان من الحرب إلى السلم"

وحتى لا ننسى أو تخوننا الذاكرة فلعل مراجعة موضوعية سريعة ورصد منهجي لما جاء في كتاب (جنوب السودان من الحرب إلى السلم" – من مشاكوس إلى نيفاشا) .. إصدار 2005م – الذي قام بتأليفه أستاذ الأجيال الصحفي العريق "عبد الله عبيد" صاحب عامود "قلب الشارع". والذي قضى (حتى تاريخه أمد الله في أيامه) قرابة 61 سنة في حقل النضال السياسي والصحافة السودانية وشغل عدة مناصب إدارية من بينها رئيس تحرير صحيفة الرأي العام ... ..... لعل مراجعة سريعة تضع البنان على بيت القصيد وتفضح كل الأكاذيب والمزاعم التي طفق يسوقها ويرددها البعض من ذوي الأجندة والتوجهات الحزبية والعرقية الضيقة التي تضع مصالحها الآنية فوق مصلحة الوطن الممتدة.
ولمن لا يعرف من الجيل الحديث أو من لم يكن متابعا من الجيل العتيق ؛ فإن أستاذنا الفاضل "عبد الله عبيد" بدأ نشاطه السياسي قبل عام 1949م شيوعيا نشطا وكان كادرا قياديا وتنظيميا من كوادر هذا الحزب في مدينة أمدرمان ذاق الويلات والأمرين من بطش وجبروت الإستعمار البريطاني ، ثم التشريد والملاحقات والسجون والمنفي خلال عهد الفريق إبراهيم عبود العسكري الديكتاتوري .. وإنتهى به المطاف عام 1971م في أوائل العهد المايوي وطنيا مخلصا لوجه بلاده بدون أجندة فكرية أو سياسية تحكمه ؛ لكنها لم تعفيه هي الأخرى من غضب وحنق جعفر نميري الشخصي .. وهو ما يعزز من مصداقية مُؤَلّفِه هذا الذي نحن بصدد مراجعته بهدف تقديمه كدليل موثق فيما يتعلق بمراوغات جون قرنق ، وتوجهات الحركة الشعبية ، ومماحكات التجمع الوطني الديمقراطي ، ودهاليز أسمرا ، وملابسات توقيع إتفاقية الخرطوم للسلام وإطار مشاكوس ثم سلام نيفاشا ، والتي أدت جميعها في نهاية المطاف إلى إنفصال الجنوب.

 
أستاذ الأجيال والصحفي المطبوع "عبد الله عبيد" مؤلف كتاب "جنوب السودان من الحرب إلى السلم"

هذا الكتاب يعتبر مرجعا تاريخيا مهما جدا قام فيه أستاذنا عبد الله عبيد بتوثيق كل ما جرى في تلك المباحثات من مشاكوس إلى نيفاشا وكذلك كل ما جرى خلف الستار في القاهرة واسمرا. أو كما جاء في تقديمه لكتابه فقد لخص الأستاذ عبد الله عبيد مادة هذا المرجع التاريخي بأنه عبارة عن مقالات سياسية مختارة نشرها في عاموده الصحفي اليومي "قلب الشارع" بصحيفة "أخبار اليوم" وحيث تعالج هذه المقالات قضية الجنوب في مراحلها النهائية – 2002/2005م – من المبادرة الليبية المصرية المشتركة مرورا بإتفاق مشاكوس حتى إتفاقية سلام نيفاشا.
وكمحصلة نهائية لما جاء في هذا الكتاب . فإننا نكتشف أن أول من حمل على عاتقه طرح فكرة "حق تقرير المصير" لم يكن سوى زعيم الحركة الشعبية الراحل "جون قرنق". .. وأن الذي تبنى هذا المقترح إنما هم أركان وزُمَـر ما كان يعرف بالتجمع الوطني الديمقراطي برئاسة السيد محمد عثمان الميرغني .
والتجمع الوطني الديمقراطي إنما هو تحالف ضم قطبي الأحزاب السياسية السودانية (حزب الأمة و الوطني الديمقراطي) إضافة إلى الحزب الشيوعي والحركة الشعبية لتحرير السودان ، وعديد من الأحزاب السياسية والجهوية الصغيرة. وقد تشكل هذا التحالف عقب إنقلاب عمر البشير الإسلامي الصبغة عام 1989م. .... وحيث لم يكن هذا الإنقلاب سوى محصلة لرفض هؤلاء الإسلاميون لإتفاق جون قرنق والسيد محمد عثمان الميرغني القائم على مقايضة الشريعة الإسلامية بالسلام وفق ما يرصده الكتاب الذي نحن بصدد إستذكاره هنا وفي حلقات قادمة إنشاء الله.
من جهة أخرى يوثق الكتاب المشار إليه أن الولايات المتحدة لم تكن في البداية تؤيد منح الجنوب حق تقرير المصير بل تميل إلى أن يظل الحل السلمي ضمن إطار السودان الموحد ... جاء ذلك وفق تقرير "دانفورث" مبعوث الرئيس الأمريكي بوش (تم رفعه للرئيس بوش في منتصف مايو 2002م) وفق ما رصده هذا الكتاب ، وحيث أوصى دانفورث في تقريره بالآتي:
1) إقتسام البترول بين الحكومة والحركة الشعبية.
2) إستمرار الولايات المتحدة في إعتراضها على تقرير المصير وتتمسك بوحدة السودان مع ضرورة الإحتفاظ للجنوبيين بكل حقوق المواطنة.
3) معالجة قضية العلاقة بين الدين والدولة بضمان الحرية الدينية وهو المفتاح لحل هذه المشكلة الخلافية في السودان.
4) تمثيل كل الفئات ووجود جيش قوي مشارك بل مشاركة جميع التجمعات في صنع القرار كعلاج لمسألة "نظام الحكم" وتقسيم السلطة والثروة.
5) ربط الإتفاقيات بين الفرقاء السودانيين بآليات تنفيذية تضمن لها النفاذ والفعالية في الداخل وأهمها قدسية القانون . بالإضافة إلى الضمانات الخارجية المتمثلة في آليات مجلس الأمن والإتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية.

التوثيق التاريخي لفكرة تقرير المصير:
يوضح كتاب (جنوب السودان من الحرب إلى السلم" – من مشاكوس إلى نيفاشا) .. إصدار 2005م في الصفحة رقم (67) منه ... يوضح الآتي:-
[أن فكرة تقرير المصير ترجع لعام 1993م حينما دعى السيناتور "هاني جونسون" أهم القيادات الجنوبية من سياسيين وعسكريين للإجتماع . وبعد المداولات وقعوا بالإجماع على وثيقة تطالب بتقرير المصير للجنوب . وبعد ذلك وقعت القوى السياسية الشمالية بما فيها النظام الحاكم الآن]. (بقصد نظام الإنقاذ).
ثم يتابع المؤلف فيوثق الأحداث بقوله:
[بعد ذلك جاء مؤتمر التجمع الوطني الديمقراطي بأسمرا عام 1995م والذي أصدر ميثاق القضايا المصيرية ومن أهمها إعطاء الجنوب حق تقرير المصير ليختار الجنوبيون بين الوحدة أو الإنفصال . في ذلك الوقت كان النظام القائم الآن (نظام الإنقاذ) يرفض ذلك المبدأ بحجة أنه دعوة لتقسيم السودان إلى دويلات.
بعد أقل من ثلاث سنوات إقتنع النظام ووقع مع بعض الفصائل التي تحمل السلاح – بإستثناء الحركة الشعبية – إتفاقية السلام ، والتي تنص صراحة على مبدأ تقرير المصير ؛ بل ذهب النظام لأبعد من ذلك وقنن الإتفاقية بدستور السودان في المادة 139 وجعلها من الثوابت التي يستحيل تعديلها إلا بقرار من ثلثي نواب البرلمان يعقبه (إستفتاء شعبي) لا يصبح نافذا إلا بعد توقيع رئيس الجمهورية عليه.
من هنا نعلم أن جميع أحزاب السودان – الحاكمة والمعارضة – المكافحة سلما أو حربا . شمالية وجنوبية .... لم تُجمِع على مبدأ واحد مثلما أجمعت على مبدأ تقرير المصير للجنوب . وهي القضية التي بحلها تُحـَل جميع قضايا السودان.]

(يتبع إنشاء الله)

أدبيــات الإنفـصــال (حلقة 10)

أدبيات الانفصال .......
أوراق مبعثرة
 حلقة (10)

فلتفتح جوبا صدرها لإسرائيل ولمن تشاء



منذ عام 1955م ولا يزال ، دأب ساسة وقادة الجنوب إبتزاز الشمال بشتى المقولات والأفعال ..... وقبل يومين صرح سيلفاكير أنه لايستبعد إنشاء علاقات دبلوماسية مع إسرائيل ,وفتح سفارة لها في جوبا بعد الإنفصال.....
وسواء لم يستبعـد سيلفاكير أو إستبعـد ؛ فنحن نطمئنه بأننا لم نعد معنيين بمثل هذه الإبتزازات والتصريحات التي لا تنم سوى عن قلة الحيلة والإحساس بالنقص من جهة . والحقد والضغينة والكراهية التي يكنها الجنوبي تجاه الشمالي من جهة أخرى ، ولأسباب ليس أقلها إحساسه أنه كان ولا يزال يتم التعامل معه في داخل محيط المليون ميل مربع كمواطن من الدرجة الرابعة.
بإمكان سيلفاكير وباقان أموم ومن لف لفهم بعد إنفصال الجنوب المأمول أن ينادوا إليهم من يشاؤون ...... وبإمكانهم فتح أبواب الجنوب لإسرائيل ومن هم وراء إسرائيل ... كل هذا لن يغير من واقع الأشياء شيئا ..... فقبل أن يقيم سيلفاكير علاقات دبلوماسية وتعاون مثمر مع إسرائيل وإستقبال رسمي ووداع لقادتها وفق ما يأمل ؛ نذكره بأن مصر تفعل ماهو أكثر من ذلك بكثير مع إسرائيل . وكذلك تفعل الأردن وعراق المالكي والأكراد ودول عربية أخرى فماذا أفادت إسرائيل هؤلاء؟
وخلال ذلك إعترفت موريتانيا بإسرائيل وأقامت معها علاقات ديبلوماسية ظنا منها أنها "الطريق الزراعي" السالكة المفروشة بالورود وسط جبال الملح والصحراء القاحلة إلى قلب الولايات المتحدة ومساعدات الغرب السخية ..... فماذا جنت موريتانيا بعدها غير عدم الإستقرار السياسي وتعدد الإنقلابات العسكرية؟  


وقبل أن يسمح سيلفاكير لإسرائيل بفتح سفارة لها في جوبا نذكره بأن لإسرائيل سفارات رئيسية ووجود إستخباراتي حيوي في أثيوبيا وكينيا والكونغو وهلم جرا . وكل هؤلاء تجمع بينهم وبين السودان حدود مفتوحة ممتدة وقبائل مشتركة ...... ومن ثم فماذا سيغير إعتراف دولة الجنوب بإسرائيل من الأمر؟
ومن جانب آخر فهلا تساءل سلفاكير وغيره في الحركة الشعبية عن الثمار التي جنتها الدول الأفريقية المجاورة من علاقاتها مع إسرائيل ؟ .... ومنذ متى كانت إسرائيل تنفع ولا تضر؟
وهل نسي سيلفاكير (أو ربما كان وقتها داخل الغابة) أن نظام مايو قد سبقه في أوائل الثمانينات من القرن الماضي إلى إسرائيل ، وتعاون معها في نقل الفلاشا من أثيوبيا بعد لقاء سري تم بين جعفر نميري وآرئيل شارون بتدبير من المليونير السعودي عدنان خاشقجي .... فهل مدت إسرائيل يدها لإنقاذ نظام مايو من الإنهيار في إنتفاضة أبريل 1985؟
ومن جهة أخرى يبدو أن سيلفاكير وغيره من المتمردين السابقين وكأنهم قد إستيقظوا لتوهم من سبات عميق ، حيث نراهم وبطريقة مضحكة مثيرة للشفقة لا يزالون ينظرون للصراع العربي الإسرائيلي بمنظور سنوات الخمسين والستين من القرن الماضي ؛ دون أن يعوا حقيقة أن طبيعة ومقومات وإستراتيجيات ومكونات هذا الصراع قد تغيرت وانقلب حالها رأسا على عقب جراء ثورة المعلوماتية والعولمة وإتفاقات كامب ديفيد وتفاهمات أوسلو التي قلبت المفاهيم وموازين القوى وخلطت الأوراق ونقلت الصراع العربي الإسرائيلي نحو الشرق والشمال حيث إيران الخميني وأفغانستان القاعدة ولبنان حزب الله وتركيا أردوغان...وربما غدا باكستان النووية...... وحيث باتت تكنولوجيا الصواريخ العابرة هي التي تهدد أمن إسرائيل الإستراتيجي وليس كتائب وألوية ومشاة ومدرعات ومدفعية دول الطوق الكلاسيكية.


ثم أن إسرائيل وخبراءها في مجال الأمن والدفاع يدركون تماما أن فتح الباب لصراع غير مبرر مع الخرطوم التي لا تعتبر دولة من دول المواجهة أو الطوق لن يفيد إسرائيل بشيء بقدر ما سيشكل تشتيتا للجهود فيما لا طائل من ورائه ؛ وضررا بليغا على أمن إسرائيل الحيوي في المستقبل المنظور . وسيؤدي لا محالة إلى جلب القاعدة وإيران إلى السودان مثلما جرى الحال في الصومال وجنوب لبنان وسوريا والعراق.
عليه ومن هذا المنطلق نقول لسيلفاكير وباقان أموم وغيرهم من أهل كهف الأدغال الجنوبي ... نقول لهم أفتحوا صدر جوبا بعد الإنفصال لمن تشاؤون وكيفما ترون ، ولكنكم في كل الأحوال لن تكونوا أفضل من غيركم الذين سبقوكم بالإيمان إلى تل أبيب والـ CIA

أدبيـات الإنفصـــال (حلقة 9)

أدبيات الإنفصال .. أوراق مبعثرة

حلقة (9)

في تصريح له إلى "أفريقيا اليوم" أكد مواطن الدولة الجنوبية المرتقبة د. لام أكول زعيم الحركة الشعبية للتغيير الديمقراطي ووزير الخارجية السوداني الأسبق والمقيم حاليا في الخرطوم . أكد أن فقدان الجنوبيون حق المواطنة في الشمال بشكل تلقائي في حالة إختيارهم الإنفصال عن الشمال هو أمر طبيعي وقانوني.ولكنه من جهة أخرى نراه ينقلب على عقبيه كعادة زعماء الجنوب فيدعي أن من حق أي أجنبي على أرض أي دولة أن ينعم بالخدمات الموجودة بها.

د. لام أكول .... سياسي جنوبي بارز

ومن جانبنا نفهم ما يشير إليه مواطن دولة الجنوب القادمة د.لام أكول ... وهو حلم الجنوبيين بأن يظلوا جاثمين على صدر وأنفاس الشمال ويتمتعوا خلال ذلك بكافة الخدمات الحكومية المجانية على حساب دافع الضرائب الشمالي .....
ومن جانب آخر نرى أن ما يأمل به الجنوبي الأجنبي إبتداء من غروب شمس يوم 9 يناير 2011م .. ما يأمل به في أن يمارس الذكاء على أهل الشمال في عقر دارهم ووسط مجالهم الحيوي، يبتلع في جوفه خيراتهم وينعم بأكل بلح الشام وعنب اليمن في آن واحد ، إنما هو محض حلم طائش من أحلام زلوط البائس وعشم إبليس في جنة الفردوس الأعلى.
ونرغب هنا وفي هذا السياق تذكير لام أكول بأنه ليس هناك قانون أرضي أو سماوي يفرض على الشمال أن يقدم خدمات صحية وتعليمية وإسكانية وتوظيف مجانية وإيواء لغير مواطنيه ؛ وأن يهدر أمواله وموارده وعرق جبينه وقوت عياله لأجل أجانب لا ينتمون إليه فحسب ؛ بل ويمارسون تجاهه الأحقاد والعدائيات والكراهية منذ 55 سنة ، ثم وفي نهاية المطاف يختارون عن قصد وبمحض إرادتهم الإنفصال عنه لإنشاء دولتهم الخاصة بهم.
ألم يسمع لام أكول بالمثل القائل: "جحــا أولى بلحــم ثـــوره"؟
وأن "الزيت الذي لا يكفي لإنارة البيت يغــلى على الجامع"؟
وأنه إذا كانت هناك مقاعد في صفوف الدراسة في الشمال فإن الأولى بها المواطنين أبناء الشمال.
وأنه إذا كان هناك سرير في عنبر مستشفى . أو حبة بانادول في مخازن وصيدليات المستشفيات الحكومية بأرض الشمال ، فإن الأولى بها المواطنين أبناء الشمال.
وأنه إذا كانت هناك وظائف شاغرة في كافة المجالات والقطاعات بالشمال فإن الأولى بملئها والتمتع برواتبها ومزاياها المواطنين من أبناء الشمال .
حتى الماء والهواء وغناء الكروان والعنادل والبلابل في أرض الشمال هي من حق المواطن الشمالي قبل غيره من أجانب الجنوب.

إذا كان لام أكول يرغب في إيهامنا بوجود قوانين تفرض على الدول والشعوب المضيفة أن ترعى الأجانب في أراضيها على نحو من الكرم الحاتمي ؛ وأن يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة . فإن على لام أكول أن يدرك ويتيقن بأن ما ذهب إليه من فرضيات وأوهام ليست من الواقع في شيء.
دول متقدمة مثل ألمانيا وفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة لا توفر خدمات مجانية في مجال الصحة والتعليم أو إلتزام بالتوظيف للأجانب.
بل ولا توفر معظم الخدمات الصحية لمواطنيها اللهم إلا في حدود ضيقة جدا أو تحت مظلة ما يعرف بالتأمين الصحي أو الإجتماعي .. إلى غير ذلك من أنظمة رعاية معقدة مدفوعة الثمن مقدما . ولو كان ذلك على هيئة إستقطاع رمزي شهري.
في الدول الغنية بالنفط مثل السعودية ودولة الإمارات المتحدة على سبيل المثال لا تقدم الحكومة خدمات الصحة والتعليم المجانية سوى لمواطنيها ولا تضمن التوظيف سوى لمواطنيها ....
عليه فهل يريد منا الجنوبي ونحن الفقراء مقارنة بغيرنا في الدول الكبرى أو النفطية العربية على سبيل المثال .. هل يريد منا أن نقاسمة لقمة العيش وحصيلة ضرائبنا وزكواتنا وصدقاتنا على قدر قلتها ومحدوديتها؟ أو أن نتيح له فرص وآفاق العمل والتوظيف في الوقت الذي يزحف العطالى من شباب الشمال في شوارع العاصمة المثلثة بحثا عن وظيفة؟
الخدمات الوحيدة التي يمكن أن يضمن الشمال تقديمها للجنوبي الأجنبي لفترة محدودة بعد الإنفصال تتلخص في حرية هذا الجنوبي – وإلى حين يرحل إلى بلاده - أن يتوجه إلى المستشفيات والعيادات الخاصة لتلقي العلاج .. وفي الصيدليات التجارية ما يكفيه من دواء.
وبوجه عام فإنه لا أمل للجنوبي بعد إنفصاله في الحصول على أي نوع من أنواع السلع المدعومة أو تلقي الدعم الحكومي فيما يتعلق بالغذاء والكساء والمأوى في حالات الطواريء أو نقص السلع التموينية وإخضاعها لكوتات تموينية مقننة.
وأن على الجنوبي أن يتوجه إلى المدارس والمعاهد والجامعات الخاصة إذا أراد تعليم أبنائه ؛ لاسيما وأن التجربة خلال فترة ألـ 55 سنة الماضية قد أثبتت عمليا أن أشد الجنوبيين عداء للشمال ومعاناة من عقد نفسية مركبة تجاه الشمالي بوجه عام إنما هم أولئك اللذين تلقوا تعليمهم الجامعي في الخرطوم بوجه خاص.

 

وأما في مجال التوظيف فلا مجال للحديث عن ضمانات يبذلها الشمال لأبناء دولة الجنوب بعد الإنفصال ، لاسيما وأن دولاب العمل الشمالي لا يحتاج إلى "خبرات" جنوبية . وغني عن القول أن العكس هو الصحيح وهو أن الجنوب هو الذي يحتاج إلى خبرات شمالية .... كما أننا نعرف جميعا أن توظيف الجنوبيين في الدوائر الحكومية بالشمال لم يكن لحاجة إلى خبراتهم النادرة ؛ إنما جاء إمتصاصا لتمرد الجنوبي في عهد نميري . ثم مجاملة للحركة الشعبية وعلى سبيل تأليف القلوب المتمردة وأحلام الوحدة الجاذبة عقب توقيع إتفاقية نيفاشا ... لكن وطالما إنفض مولد المجاملات والمحاصصات وإنفصل الجنوبي وإختار أن يقيم دولته الخاصة به فهي أولى به وهو أولى بها وليذهب إليها ليجد فيها الحضن والمأوى والرفاهية التي يحلم بها.
بقي أخيرا الحديث عن تملك الجنوبي للأراضي السكنية والزراعية والعقارات في الشمال .. وحيث من الضروري لفت نظر الجنوبي أنه لا محيص من أن يسارع ببيعها أو أن يخضع لقانون مصادرة هذه العقارات والأراضي . وغني عن القول أنه لن يعود له يحق في الحصول على أراضي حكومية مجانية في مجال الخطة الإسكانية أو خارج نطاق قانون الإستثمار.
وللحديث بقية بشأن تنظيم إقامة الجنوبي في ربوع الشمال بعد الإنفصال.
أحلام الجنوبي في فردوس الشمال عقب الإنفصال
 

أدبيات الإنفصـال (حلقة 8)

أدبيات الإنفصال .. أوراق مبعثرة

حلقة (8)

لماذا يَحـْـفـَى الجنوبي للإحتفاظ بمواطنة الشمال؟

كان أنصار الإنفصال في الشمال يظنون في البداية أن الجنوبي من خلال تردده جيئة وذهابا واللف والدوران حول خيار الإنفصال عن الشمال إنما يتصرف ويفكر على طريقة "من ترغب في النكاح وتخشى الحَـبَـلْ".
سيلفاكير ميار ... رئيس حكومة الجنوب .... يرغب في فصل الجنوب عن الشمال والإحتفاظ للجنوبي بحقوق المواطنة الشمالية في آن واحد .... أو بمعنى أن يطال بلح الشام وعنب اليمن .. ويا بلاش

كل الأقاليم والأقليات التي تختار حق تقرير المصير لا تثير مسألة حق المواطنة في علاقتها مع الدولة الأم التي إنفصلت عنها بمحض إرادتها ..... هكذا راينا الحال في كافة القارات اليابسة والجليدية .. وهكذا يفترض العقل والمنطق.
ولكن ما أن بدأت مفاوضات حكومة الخرطوم مع حكومة جوبا بشأن ترتيبات ما بعد الإنفصال سواء تلك الفاشلة التي جرت في القاهرة أو تلك التي يعد لها في أديس أبابا .... ما أن بدأت هذه الفعاليات حتى بدأت "جـقـلبة" الجنوبي تخرج إلى العلن دون خجل ودون مواربة بل وفي تناقض غريب مثير للقلق والشك .....
لماذا يتمسك الجنوبي بالإحتفاظ بحق المواطنة في الشمال رغم أنه يملأ الدنيا صراخا وعويلا ودموعاً على لسان جميع قادته وعلى رأسهم "سيلفاكير ميار ديت" بأن الجنوبي يعامل معاملة المواطن من الدرجة الثانية في الشمال ؟
إذا كان زعماء الجنوب يرددون هذه الإكليشيهات صباح مساء مرورا بالظهيرة ؛ فلماذا يترجون ويقبلون الأيادي ويلحسون الأحذية الآن ، ويوسوسون لحكماء أفريقيا وأجاويدها وللرئيس أوباما . ويردحون في القاهرة وأديس أبابا والخارجية الأمريكية ومفوضية الإتحاد الأوروبي في سبيل الحفاظ على حق المواطنة للجنوبي في الشمال؟

ذكور جنوبيون يمارسون الرقص لإستمالة إناثهم وإثارة إعجابهن

لماذا يتباكى الجنوبي وتحفى قدميه من أجل أن يبقى مواطنا شماليا في الوقت الذي ينفصل فيه شعبا وأرضا عن الشمال؟
هل المسألة لعب عيال أم سذاجات أدغال؟
أي تناقض هذا وأي قــرف سياسي ؟
هل تمارس الحركة الشعبية لتحرير (جنوب) السودان هذا العهر السياسي ضمن مهام مرتبطة بتخطيط تخريبي واسع النطاق تم الإعداد له بعناية في داخل دهاليز وكالة الإستخبارات الأمريكية (CIA) . ومناط بها تنفيذه في أرض الشمال بالإضافة إلى أحلام ذاتية ترغب الحركة الشعبية في تحقيقها داخل أرض الشمال لجني مكاسب عدة أم ماذا ؟
آخر ما تم رميه من بياض في طرف حكومة الخرطوم بعد عزلها المحكم عن العالم هو وعد الرئيس الأمريكي أوباما لها بأن يضمن للشمال قسمة البترول وتسوية مريحة لأبيي مع دولة الجنوب الوليدة مقابل أن يقبل الشمال بمنح الجنوبي حق المواطنة ..... ويا بلاش .....
ومنذ متى تفي الولايات المتحدة بوعودها وتعهداتها تجاه الدول العربية والإسلامية بل ودول العالم الثالث كافة؟
وهل السودان بأفضل من فلسطين والصومال والعراق ولبنان والشيشان وباكستان وأفغانستان؟
ربما لو صمدت الخرطوم أكثر في وجه هذه الإغراءات لتنازل أوباما وهيلاري كيلنتون ومنحاها المزيد من المغريات والوعود المجانية الجوفاء على قناعة أمريكية ثابتة مجربة وسابقة مع شعوب أخرى في الشرق الأوسط وآسيا وأوروبا الشرقية بأنه لن يتحقق منها شيء في النهاية........ سيظل أوباما يسوف ويناور ويؤجل على الطريقة الأمريكية حتى تنتهي فترة حكمه أو ربما قبيل ذلك حين يتحول إلى بــطــة عــرجـــاء ........
ثم يقفز الحزب الجمهوري للسلطة من جديد ، وتلحس أمريكا في عهدهم كل وعود الحزب الديمقراطي السابقة وفق سياسة "التدمير الخلاق" ، ونظريات نمطية حفظناها عن ظهر قـلب وخبرناها جميعا من قبيل "رسم خريطة طريق" و "إعادة ترتيب الأوضاع" .. و "ضرورة تحسين الخرطوم لسجلها في مجال حقوق الإنسان" ..... و "تبني النهج الديمقراطي والعلمانية" .... وحتما "تسليم الرئيس عمر البشير نفسه طواعية لمحكمة الجنايات الدولية " .. وهكذا مما لا يعد ولا يحصى من شروط تعجيزية تضعها الإدارة الأمريكية عادة حين ترغب في التنصل بشــرف من وعودها لشعوب العالم الثالث...... وكل من لا يعجبه فليشرب من المحيط الأطلسي .. وماذا عساه أن يفعل في مواجهة الولايات المتحدة؟
يريد منا أوباما إذن ؛ أو الأمريكان في الحقيقة أن نقنع بوعود الأبالسة المؤقتة الزائلة في مقابل حصول الجنوبيين الأجانب بعد الإنفصال على مقعد دائم في التركيبة السكانية للشمال تمنحهم حق الفيتو ضد كل خطط وبرامج التطوير الإجتماعي والسياسي والثقافي المرتقبة .....
ولكـــن لمــاذا كـــل هــــذا ؟
يمكن تلخيص أهم الأسباب الخفية على النحو الآتي:
1) تلغيم الشمال بقنابل عقائدية وعرقية شتى معقدة موقوتة يتم تفجيرها واحدة تلو الأخرى بحيث تضمن لتحالف الصهيونية والصليبية العالمية والمحافظين الجدد الحق في التدخل الدائم في شئون الشمال الداخلية ، على واقع من الحدس بأن شعب الشمال العربي المسلم بعد إنفصال شعب الجنوب عنه سيسوده الإنسجام والتناغم الثقافي والتلاحم العرقي . وبما يعني الإستقرار وتماسك النسيج الإجتماعي ونهضة غير مسبوقة لهذا الشعب بعد أن يتخلص من "ورم المخ" الذي ظل قابعا داخل رأسه منذ عام 1955م وكان يعوق وحدته وإحساسه الوطني ، ويشل تفكيره وتحركاته وإنطلاقاته نحو آفاق المستقبل الزاهر في كافة المجالات التي تنشدها الشعوب.
2) تضمن الحركة الشعبية من خلال وجود الجنوبي بصفته مواطن في الشمال .. تضمن لنفسها تبعية وطابورا خامسا وخلايا تمرد نائمة في داخل الشمال تستطيع إثارتها ومساومة حكومة الخرطوم بها والضغط عليها مستقبلا عند نشوب أي خلافات ... لاسيما وأن نشوب الخلافات السياسية والدموية بين الشمال والجنوب بعد الإنفصال أو بين الجنوبيين أنفسهم داخل الجنوب ستظل أمرا لابد منه وحتى يستقر الجنوب إن أراد الله له إستقرارا في المستقبل المنظور. .... وحيث لا يفوتنا التنويه بأن الحركة الشعبية تتوجس خيفة وتشك في نوايا الخرطوم بإثارة النعرات القبلية والدينية في الجنوب بعد إنفصاله.
3) تدرك الحركة الشعبية التي تريد الإنفراد بحكم شعب الجنوب المتخلف .. تدرك أن الحنوبيين المقيمين حاليا في الشمال قد حصلوا على كثير من التنوير التعليمي والثقافي والإجتماعي والسياسي والديني خلال تواجدهم وسط مجتمع الشمال المتطور مقارنة بمجتمع الجنوب الشديد التخلف ..... ومن ثم فإن الحركة الشعبية تتخوف من عودة هؤلاء إلى الجنوب . وما يؤدي إليه ذلك من تنوير متعدد التوجهات وأفكار مستحدثة وقناعات مركبة . وعلى نحو يحول دون إستفراد قادة وكوادر الحركة الشعبية لأنفسهم بالحكم والثروة لعقود قادمة دون منافس أو رقيب ومسائل ....
.............................
مطلب الحركة الشعبية بأن يحتفظ الجنوبي المقيم في الشمال بحق المواطنة وإزدواجية الجنسية أمر غريب لا يمكن لعاقل أو مجنون في الشمال أن يقبل به جملة وتفصيلا ........... فهل بعد أن رضي شعب الشمال بتحمل كل التضحيات الجسام في سبيل الخلاص من مشاركته للجنوبي المتمرد الإنفصالي المزعج في وطن واحد ..... هل يعقل أن يرضى بالعودة مرة أخرى إلى مربع التمرد رقم واحد وصفر اليدين كذلك ؟


إذا كان الجنوبي منذ عام 1955م وحتى تاريخه (مدة 55 سنة) قد ظل عاكفا داخل الجنوب " بعيدا عن الشمال" على التمرد والكراهية والحقد تجاه الشمالي ؛ فإن منح الجنوبي حق المواطنة في الشمال وإزدواجية الجنسية بعد الإنفصال ؛ يعني بكل بساطة نقل التمرد الجنوبي من داخل حدود أرض الجنوب إلى داخل وعمق أرض الشمال برضا الشمالي وأريحيته ومحض إرادته ..... ويعني كذلك إستمرار إستمتاع الجنوبي بخيرات الشمال دون مقابل أو إضافة حضارية من جانبه ...... وحق علينا عند ذلك أن يصفنا الناس في الخارج بأننا وبلا منازع "بـلـهــاء القــارة السـوداء".